الشيخ محمد رشيد رضا

462

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ أي ان رحمته تعالى الفعلية التي يعبر عنها بالاحسان يبة من المحسنين في أعمالهم المتقنين لها لأن الجزاء من جنس العمل . فمن أحسن في العبادة نال حسن الثواب ، ومن أحسن في أمور الدنيا نال حسن النجاح ، ومن أحسن في الدعاء استجيب له ، أو أعطي خيرا مما طلبه والجملة تعليل للامر بالدعاء قبلها ، مبينة لفائدة الدعاء العامة كما رنا . فهي أعم من قوله تعالى ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) والاحسان مطلوب في كل شيء بهدي دين الفطرة . الداعي لحسنتي الدنيا والآخرة . وجزاؤه الاحسان في كل شيء بحسبه . قال عز وجل ( هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ ؟ ) كما أن الإساءة محرمة في كل شيء وجزاؤها من جنسها . قال عز وجل ( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ) وقال الرسول ( ص ) « ان اللّه كتب الاحسان على كل شيء « 1 » فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة « 2 » وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ، وليحد أحدكم شفرته ، وليرح ذبيحته رواه مسلم عن شداد ابن أوس ( رض ) فالاحسان واجب في دين الاسلام حتى في قتال الأعداء ، لأنه في حكمه من الضرورات التي تقدر بقدرها ، ويتقى ما يمكن الاستغناء عنه من شرها ، ومنه قوله تعالى ( فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ) أي فإذا لقيتم أعداءكم الكفار في المعركة فقاتلوهم بضرب الرقاب لأنه أسرع إلى القتل وأبعد عن التعذيب بمثل ضرب الرأس مثلا - وناهيك بتهشيم الرؤوس وتقطيع الأعضاء في عهد التنزيل الذي لم يكن فيه أطباء جراحة يخففون آلامها . - حتى إذا ظهر لكم الغلب عليهم بالاثخان فيهم فاتركوا القتل ، واعمدو إلى الأسر ، ثم اما ان تمنوا على الاسرى بالعتق منا ، وإما أن تفدوا بهم من أسر منكم فداء وكذلك الاحسان في الحيوان والرفق به ، ومنه ذبح البهائم للأكل يجب أن يحسن فيها بقدر الطاقة حتى لا يتعذب الحيوان ، ولهذا حرم اللّه الموقوذة وهي التي تضرب بغير محدد حتى تنحل قواها وتموت

--> ( 1 ) قيل إن على هنا للظرفية أي في كل شيء . وقيل معناه على كل أحد في كل شيء فان بعض الروايات عند غير مسلم : أو على كل خلق ( 2 ) بكسر القاف ومثلها الذبحة بكسر الذال أي هيئة ذلك وصفته